“المقاطعة” البقرة الصّفراء في عصرنا
في عصر غرب فيه نور الوحيّ عن العالم الإسلاميّ، وبعد أكثر من قرن على جلد الحضارة، و سبعة عقود على احتلال بيت المقدس، وعامين على الإبادة الموثّفة بالبثّ الحيّ لغزّة، يأتي من يسألك:” هل المقاطعة واجب أو مستحبّ؟ أقنعني بدليل وحجّة!” يسأل رغم تورّم عينه بكاءً على أطفالها وأشلائها وفنائها! يدعو لها في الفرائض والسّنن في الرّكوع والسّجود، لكنّه يبحث عن فتوى لإقناعه بالعدول عن شراء سلعة داعمة قاتلة! ثمّ يشكّك بالفتوى نابشًا زلّة لعالم خيره وعلمه يشهدان له، أو يقف عند كلّ كلمة متحوّلا إلى أديب أريب ومدقّق لغويّ
وليست هذه العقلية بمرض نفسيّ وليد العصر الحاليّ، بل هي قديمة قدم الإنسان، متكرّرة في كلّ عصور الإنحطاط الإنسانيّ، وقد جسّدها القرآن في قصّة بني إسرائيل والبقرة، قصّة المماطلة والمراوغة، وبنو إسرائيل يمثّلون “إنسان الحياة الدّنيا” المترف، اللّاهث خلف الهوى التّارك كتاب الهدى!
هذه العقلية المطالبة بالتفاصيل والبرهان، عقلية الإنسان السّطحيّ الماديّ الذي لا يؤمن بالغيب، بل يلهث خلف الدليل الحسيّ ليهرب من التكليف.
فبنو إسرائيل أمروا أن يذبحوا “بقرة” فطالبوا أوّلًا بفتوى/دليل يصدّق كلام كليم الله موسى عليه السّلام!
{قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً}
{قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ}
ثمّ طالبوه بوصف مفصّل دقيق للبقرّة
واليوم، تتكرّر الصورة نفسها: يُطالَب العلماء بتفصيل التفصيل في المقاطعة — أهي في الكماليات فقط؟ هل تسقط عند غياب البدائل؟ — وليس ذلك حرصًا على الدين، بل تذرّعًا للتخلّف عن الواجب. إنّها النفس المتهرّبة من المسؤولية، ولو أُقيمت عليها كلّ الأدلّة ما اتّبعت القبلة.
(فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ)
ختامًا، الحقّ بيّن، ودم المؤمن أعظم حرمة من الكعبة، وأحاديث النبي ﷺ في ذلك أكثر من أن تُحصى وهي لكفيلة لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد أن يقاطع إلّا مضطرًا غير باغ ولا عاد! إنّها لحظة صدق مع النفس: إمّا أن تختار أن تكون من “أصحاب البقرة” الذين ماطلوا وتذرّعوا، أو من أهل الإيمان الذين يُبادرون إلى التّكليف طاعةً لله ونصرةً لعباده المستضعفين.
يوم القيامة نقف فرادى، ولا يُغني عنّا فتوى ولا معذرة.
(بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ)
منقول من



تشبيه من لا يقاطع المنتجات الغربية ببني إسرائيل في قصة البقرة في القرآن الكريم فيه مبالغة واضحة.
قصة بني إسرائيل كانت عن أمرٍ إلهيٍّ مباشر لا يحتمل الاجتهاد، أما مسألة المقاطعة اليوم فهي اجتهاد سياسي واقتصادي يختلف الناس في تقدير جدواه وأثره. لا يصح تحويل مسألة تقديرية إلى معيار للإيمان أو اختبار للطاعة.
أيضا التاريخ يخبرنا أن التجارة استمرت بين أمم مسلمة متحاربة مع كافرة عبر قرون طويلة، لأن المصالح الاقتصادية كانت جزءًا من إدارة الصراع، وليست نقيضًا للموقف السياسي دائمًا. الأصل في المعاملات الإباحة ما لم يثبت تحريم أو ضرر مباشر.
أما التفريق بين الكماليات والأساسيات فهو اجتهاد مبني على فقه ترتيب المصالح، ويختلف تطبيقه من شخص لآخر ومن بلد لآخر حسب توفر البدائل والظروف.
من أراد أن يقاطع فله أجر موقفه إن شاء الله، ومن لم يقاطع لا يُشبه بقوم عوقبوا في كتاب الله. القضايا الكبرى تحتاج نقاشا عقلانيا هادئا، لا مقارنات تُشحن بالعاطفة وتُقسم الناس.
الاختلاف في الوسائل لا يعني اختلافًا في المبدأ.
فعلا شيء مؤسف